منتدى التربية المسرحية
منتدى الذوق الرفيع يدعوك ان تكون ضمن اسرتنا وشارك معنا كى نتعلم منك *فى الشعر *والمسرح والادب واهلا بك


لاخصائى التربية المسرحية بادارة قطور التعليمية وكل من يحب المسرح
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
استغفر الله العظيم من كل ذنب اذنــبــــتـــه و من كل فرض تركـــــتــه و من كل انسان ظلـمـتــــه , أستغفر الله العظيم الذي لا إله الا هو الحي القيوم وأتوب إليه
تنوية : الاعضاء الذين لم يستطيعوا تفعيل عضويتهم  سيتم تفعيل العضوية من المنتدى مباشرة وما عليك الا الدخول بالاسم والباسورد الخاص بك. مع تحيات الادارة ونرحب بكل اقتراحاتكم للنهضة بالمنتدى  **** ترحب ادارة المنتدى بكل الاعضاء الجدد الذين اشتركوا معنا وادارة المنتدى على اتم الاستعداد للرد والمشاركة فى اى موضوع  او استفساريخص المسرح


شاطر | 
 

 قضية القهر في شعر نجيب سرور (الجزء الاول )

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
صلاح
Admin
avatar

عدد المساهمات : 436
نقاط : 1001
تاريخ التسجيل : 07/11/2009

مُساهمةموضوع: قضية القهر في شعر نجيب سرور (الجزء الاول )   الأربعاء فبراير 24, 2010 6:52 pm

قضية القهر في شعر نجيب سرور


قضية القهر
فى
شعر نجيب سرور

(قل ما تريد لمن تريد كما تريد متى تريد)
ن. س

عندما نعالج قضية القهر السياسي في شعر أحد الشعراء فإننا في الأغلب نتعرض لقضيته الأساسية فرفع الظلم ومواجهة القهر وتحرير الإنسان كلها أحلام دارت وتدور وستدور في عقل وقلب كل شاعر يستحق أن يوصف بهذه الصفة وبالرغم من تنوع موضوعات الشعر بشكل كبير إلا انك تستطيع بسهولة أن تقرأ تعرية للظلم ونشداناً للعدل ولحرية العقل والقلب -وبالتالى تستطيع أن تقرأ سياسة -فى أى قصيدة حتى تلك التى تتغنى في إنطلاق عصفور أو في شموخ نخلة. ولكن يبدوأننا نحتاج إلى أن نوسع المفهوم فلنجعلها إذن قضية القهر- بصفة عامة- في الشعر.

وشاعرنا الذى نتحدث عنه الآن هو نجيب سرور (1932-1978) وللأسف الشديد فإن الظلم الذى لحق الشاعر حياً تبعه حتى بعد وفاته وماعاناه في حياته من اغتيال أدبي يعانى مثله الآن ميتأ فبالرغم من القامة السامقة للرجل كشاعر وناقد أدبى ومؤلف ومخرج وممثل مسرحى وكأستاذ للمسرح إلا أنه لا ينال من التقدير أوالاحتفاء نصف ما يناله أنصاف بل وأرباع الموهوبين من الذين يزن نجيب سرور المئات وليس العشرات منهم، فعندما تذكر الاسم فأنت أمام عدد من الخيارات:
* شخص لم يسمع بهذا الاسم على الإطلاق
* المحتكون بالمسرح ونسبتهم قليلة بالتأكيد سيميزونه ككاتب مسرحي كبير وكأستاذ له إسهامات رائدة في هذا المجال
* نسبة ضئيلة جداً ستثمن الرجل وتعرف له قدره
أما ال.. أميات (النقط هنا تحل محل لفظ خارج) فهو ديوان كتبه نجيب سرور بلغة نابية صادمة واصفا ما تعرض له من تعذيب وقهر داخل مستشفى الأمراض العقلية بالعباسية ومعرياً الوضع السياسي والاجتماعي في زمانه وسنورد مقاطع (من التى يمكن أن تكتب) في موضعها.
الأغلبية إذن يروقها هذا النموذج (شاعر سكير صعلوك ومجنون اذا لزم الأمر يمشى حافى القدمين ويكتب أشعاراً بألفاظ خادشة للحياء) أمر مثير للإهتمام وللخيال ايضاً. ولكن لمصلحة من تدعم هذه الصورة ولمصلحة من هذا التجاهل لتاريخ الرجل؟!!! الإستفهام هنا ليس حقيقى، فمن يكون ياترى صاحب المصلحة في طمس أعمال رجل يفضحه إلا مرتكب الفضائح نفسه؟!! ومن يهمه أن يمسح اسم شاعر من الوجود إلا ذلك الذى أدان الشاعرممارساته ولكن يبدو أن آخرين ايضاً لا يسعون كثيرا لتغيير هذه الصورة فتسويق سرور على أنه (بتاع الأميات) بالنسبة للناشر يبدوأنه أيسر بكثير من تسويقه على أنه مفكر عبقرى عاشق للإنسان ولمصر وكشخصية من الشخصيات القلقة التى بفضلها أحيانا تتغير الأمم. وبالتأكيد لن نستطيع الإحاطة بهذا التاريخ هنا فما يهمنا هو قضية القهر في شعر نجيب سرور ولكن من الممكن أن نثبت فقط بعض من أعمال الشاعر (عشان نعرف هو كان بتاع ايه تانى غير ال... أميات)
الأعمال المسرحية منها:
ياسين وبهية، آه ياليل يا قمر، يابهية وخبريني، آلو يا مصر، الكلمات المتقاطعة، ملك الشحاتين، منين اجيب ناس، الذباب الأزرق، النجمة أمُّ ديل.
المجموعات الشعرية منها:
التراجيديا الإنسانية، إنه الإنسان، لزوم ما يلزم، الأميات، بروتوكولات حكماء ريش، الطوفان الثاني، رباعيات، فارس آخر زمن.
الكتابات النقدية منها:
تخطيطات في المسرح المصرى، رسائل حول قضايا المسرح، رحلة في ثلاثية نجيب محفوظ، حوار في المسرح، تحت عباءة أبى العلاء، الشعر العربى الحديث.

ربما كان لابد من هذه المقدمة فما أحوجنا لإعادة قراءة أعمال نجيب سرور والأهم إعادة قراءة نجيب سرور نفسه ففى هذا إعادة لإعتبار الرجل وحتى لا يكون عذابه سدى، وما مات كل الموت من عاش منه إسم!.
أما الآن فسندخل عالم نجيب سرور الشعرى لنتعرض لقضية القهر في شعره وعلى وقع هذه الأشعار قد نروى أحداث من سيرته الذاتية ونعرج على أحداث تاريخية.
فارس آخر زمن!
هكذا عنون نجيب سرور سيرته الذاتية التى مات قبل أن يكملها... فارس آخر زمن! لكم يصدق هذا الوصف على حياة هذا الشاعر العظيم فقد كان بحق فارساً ولكن يبدو أن مملكته لم تكن من هذا العالم فقد عاش حياته يحارب طواحين الهواء ولكن دون جدوى كما كان يفعل دون كيخوته في رواية ثربانتس الشهيرة ولهذا نجده بعد أن يتقمص دور الفارس دون كيخوته في قصيدته الطويلة لزوم ما يلزم نجده يخاطب حبيبته قائلاً:
قولوا لدولسين الجميلة..
"إخطابُ" قريتي الحبيبة.

هو لم يمت بطلاً لكنه مات كالفرسان بحثاً عن بطولة!
لم يلق في طول الطريق سوى اللصوص
حتى الذين ينددون كما الضمائر باللصوص
فرسان هذا العصر هم بعض اللصوص!

أحبك مازلت لكنني وهبت النشيد لهذي الجموع!
ولد نجيب سرور في قرية إخطاب بمحافظة الدقهلية وهى قرية كانت تعد –زمن طفولة نجيب- أحدى أهم قلاع الإقطاع في مصر وقد عانى أهلها الفقر والجوع والظلم والإضطهاد إلى حد التعود أو على حد وصف سرور في شعره (فالناس من هول الحياة موتى على قيد الحياة) فى هذه الأجواء نشأ نجيب سرور ونما وعيه تدريجياً بهذا القهر الواقع على أهله وبأن هناك من يملك ومن لا يملك وأن هذا الذى يملك يمارس اذلالاً وقمعاً شرساً على من لا يملك واختار نجيب وقتها قضيته ومعركته وخصومه، يقول نجيب في قصيدته الشهيرة الحذاء:
أنـا ابـْنُ الشـــقاءْ
ربيبُ الـَّزريبــة و المصطبــةْ
وفى قـريتى كلهم أشـــقياءْ
وفى قـريتى (عـُمدةٌ) كالالهْ
يـُحيط بأعناقنــا كالقــدرْ
بأرزاقنـــا
بما تحتنــا من حقول حـَبــالي
يـلدن الحيــاةْ
وذاك المســاء
أتانـا الخفيـرُ و نـادى أبي
بأمر الإله!.. ولبـَّى أبي
وأبهجني أن يـُقــالَ الإلــــهُ
تنـازل حتى ليدعـو أبى!
تبعت خطــاه بخـطو الأوزِّ
فخوراً أتيــه من الكبريــاءْ
أليس كليــمُ الالــه أبـي
كموسى.. وإن لم يجئـْـه الخفــيرُ
وإن لم يكن مثــلـَه بالنبي
وما الفرق؟.. لا فرقَ عند الصبىْ!
وبينــا أسير وألقى الصغار أقول “ اسمعوا..
أبى يا عيــال دعــاه الالــه “!
وتنطـق أعينهم بالحســدْ
وقصرٌ هنــالك فوق العيون ذهبنـا إليه
يقولون.. في مأتـم شــيدوه
و من دم آبائنا والجدودِ وأشــلائهم
فموتٌ يطــوف بـكل الرؤوسِِ ِ
وذعرٌ يخيـم فــوق المـٌقــل
وخيــلٌ تدوس على الزاحفــين
وتزرع أرجلهــا في الجـثت
وجدَّاتنــا في ليـالي الشــتاء
تحدثـننا عن ســنين عجــاف
عن الآكلين لحـوم الكلاب ِ
ولحم الحمير.. ولحم القططْ
.....
ذهبنــا إليه
فلما وصــلنا.. أردت الدخول
فمد الخفــير يداً من حـديد
وألصقني عند باب الرواق
وقفت أزفُ أبى بالنظــر
فألقـى الســـلام
ولم يأخذ الجالسـون الســلام!
رأيتُ.. أأنسى؟
رأيتُ الإلهَ يقــوم فيخلـع ذاك الحـذاءْ
وينهــال كالســيل فوق أبى!!
أهـــذا.. أبي؟
وكم كنت أختــال بين الصغــار
بأن أبي فــارع “ كالملك “!
أيغدو ليعنى بهــذا القصر؟!
....
أهـــذا.. أبي؟
ونحن العيــال.. لنا عــادة..
نقول إذا أعجزتنا الأمور “ أبي يستطيع! “
فيصعد للنخـلة العـاليـة
ويخـدش بالظفر وجــه السـما
ويغلب بالكف عزم الأســد
ويصنع ما شــاء من معجزات!
أهـــذا.. أبي
يـُســام كأنْ لم يكن بالرجــل
وعـدت أســير على أضــلعي
على أدمعي.. وأبث الجــدر
“ لمـاذا.. لمـاذا؟ “
أهلت الســؤال على أميــه
وأمطرت في حجرهــا دمعيــه
ولكنهــا أجهشــتْ باكـيهْ
“ لمـاذا أبي؟ “
وكان أبي صــامتاً في ذهول
يعــلق عينيــه بالزاويـة
وجـدِّي الضــريرْ
قعيـدُ الحصــيرْ
تحسـَّسـَني و تولـَّى الجـوابْ:
“ بنـيَّ.. كذا يفعل الأغنيــاءُ بكل القرى“!
كــرهتُ الإله..
وأصبح كلُّّ إله لدى بغيضَ الصــَّعرْ
تعلمتُ من يومهــا ثــورتي
ورحت أســير مع القـافلةْ
على دربهــا المدلهــمِّ الطــويل
لنلفـى الصــباحَ
لنلقـى الصــباح!

والحادثة الواردة في القصيدة هى حادثة حقيقية تعرض فيها أبو نجيب سرور للضرب بالحذاء من قبل العمدة الذى يصفه نجيب (وفى قريتي عمدة كالاله يحيط بأعناقنا كالقدر، بأرزاقنا، بما تحتنا من حقول حبالى يلدن الحياة) ويصف الشاعر الحادثة على لسان الطفل نجيب الذى يفرح بدعوة العمدة ويتيه على أقرانه بهذه الدعوة (أليس كليم الاله أبي؟!) ويعطى وهو في طريقه نبذة تاريخية عن هذا القصر الكبير الجاثم على صدرالأرض (يقولون.. في مأتـم شــيدوه
و من دم آبائنا والجدودِ وأشــلائهم......) إلى أن يصل إلى ذروة الحدث وهى فعل الضرب نفسه والذى يبدو واضحاً أنه كان صادماً وقاسياً ففجر الأسئلة في نفس الطفل (أهذا أبى؟! يسام كأن لم يكن بالرجل) ليذهب الطفل إلى بيته ذاهلاً يسأل أمه فتبكى يسأل أباه فيصمت يسائل حتى الجدران إلى أن يجد جواباً عند جده (وجدى الضرير قعيد الحصير تحسسنى وتولى الجواب:بنى! كذا يفعل الأغنياء بكل القرى) القضية ليست قضية أبيه إذن، القضية ليست تخص قريته وحدها، كذا يفعل الأغنياء بكل القرى. تحددت الرؤية أكثر وتشكلت ملامح الرفض (كرهت الاله وأصبح كل اله لدى بغيض الصعر) ولفظ الاله هنا بالطبع محاولة للتدليل على مدى السطوة والتسلط فهو مـتأله أو مؤله وقد وضع الشاعر العمدة هنا في هذا المقام الذى يبغضه ولكن المعنى يشمل عنده الإستبداد والقهروأى شخص يمارسه في أى زمان ومكان وأخيراً يقرر الشاعر (تعلمت من يومها ثورتى ورحت أسير مع القافلة على دربها المدلهم الطويل لنلفى الصباح لنلقى الصباح) .
وهكذا أرخ نجيب سرور للثورة داخله كما حدد بوضوح قضيته ومن يواجه وربما نكون أوردنا قصيدة الحذاء هنا كاملة وذلك لأهميتها الفنية الكبيرة ولأهمية الحادثة نفسها في حياة الشاعر وأستطيع أن أقول بثقة أن هذه الثورة ستجدها طوال إبحارك في كلمات هذا الفارس فمواجهة نجيب سرور للقهر لم تكن دائماً بالتعرية المباشرة لممارسات هذا الآخر المستبد ولكنها كانت كثيراً بالتغنى بجمال الحياة التى أرادها الله لنا والتى يحرمنا هذا المستبد (أياً ما كان) من أن نحياها:
(قصيرة وحلوة حكاية الحياة
كبسمة الصغير وجرعة الحليب
وقبلة الحبيب للحبيب)

(حياتنا قصيرة قصيرة وواحدة وكم تكون حلوة لو انها تعاش
لكننا نموت مرتين لأننا نعيش أشقياء)

وكانت كثيراً أيضاً بالتحريض وحشد الجماهير لهذه القضية العادلة:
(ففى البحار والهضاب من كنوز كفاية للبشر فمالنا جياع؟!!)
(أرضنا تحمل ما يردم بحراً بالشعير،
أرضنا تغزل من صوف وقطن وحرير ما يسد الشمس لويطرح من قطب لقطب
أرضنا تحلب مما تشتهى عين وقلب ضعف ما يكفى لكى يصنع جنة!
أى شىء يمنع العالم ان يصبح جنة؟!) وربما تسأل أنت نفسك الآن: حقاًً أي شيء يمنع العالم أن يصبح جنة؟!!!!!!!!!

إنه الإنسان!
نزح نجيب سرور إلى القاهرة سنة 1952 لينضم إلى كلية الحقوق بجامعة القاهرة وينضم في نفس السنة إلى معهد الفنون المسرحية وينخرط في العمل السياسي بإنضمامه إلى جماعة حدتو الشيوعية (الحركة الديموقراطية للتحرر الوطنى) الشاب الآن مسلح بطموح واسع وموهبة فذة وقضية عادلة، قد يتغير الآخر هنا -ولا يكون العمدة أو الباشا الإقطاعى- وقد يحل مكانه النظام السياسي أو الآخر العالمى ولكن تظل القضية واحدة.. نشدان العدل للجميع.... ويؤرخ نجيب سرور بشعره لهذه الفترة معرياً الوضع الاجتماعي والسياسي ومعطياً صورة للقاهرة وقتها:
ورحلت يوماً للمدينة،
فى ركب قافلة ممزقة حزينة.
لا فرق يا إخطاب بينك والمدينة،
غير المداخن والمآذن والقلاع الشاهقة،
غير الزحام، وضجيج آلاف الطبول
ونذير أجراس الترام.
يا سيداتي يا أميراتي الحسان.
وهنا البغايا كالذباب بغير حصر،
ومشاتل البوليس والمتسولين بكل شبر،
وقوافل جوعى تهيم من الرصيف إلى الرصيف..
حيرى تفتش عن رغيف!
والسوق لا تغفو.. تضج من الصباح إلى الصباح:

(من يشترى؟- وبكم تبيع؟!
يفتح الله- اتفقنا!-يا بلاش!)
وهنا يباع ويشترى يا سيداتي كل شيء
حتى الترام يباع في وضح النهار للقادمين من القرى..!
..........
ودرست في الكلية القانون.... قانوناً لغابة،
يتلى علينا من عصابة!
ياألف نص.. كل نص ألف بند
فى كل بند ألف حرف، فى كل حرف ناب أفعى!

ويترك نجيب الجامعة
(أنى تركت الجامعة يوماً
وفى الصف الأخير لغير عود،
كى لا أهان على هوان!
صدقنني ما خفت يوم الإمتحان،
بل خفت من جحر هنالك للأفاعي كان يصطاد الحمام)

ها هو الآخر المستبد القاهر يتشكل في شكل أفعى الآن ليتربص بالحمام وكان نجيب هنا يتحدث عن اعتقال النظام (الأفاعي) لعدد كبير من زملائه (الحمام).
وهكذا ترك نجيب كلية الحقوق ليتفرغ لمعهد الفنون المسرحية ولنضاله السياسي وفى سنة 1956 تعرضت مصر للعدوان الثلاثى ليثبت نجيب أن قضيته واحدة الإنسان فبالرغم من كونه معارض شرس للنظام وبالرغم من أنه كان يمكن أن يلتزم الصمت إلا إنه خرج ليعلن موقفه ولينتصر لإنسانه ويخاطب العدو قائلاً:
(كان حتماً أن تموت أيها الغول الذى ألقته في أرضى مظلة
فأنا لم أعبر البحر إليك
أنا لم أسقط من الجو عليك
أنا مصرى وديع حميم
طيب مثل بلادى الطيبة..
هذه الأم التى تحلب خضرة وإخاءً وسلاماً ومسرة)
وحتى وبرغم ظلم هذا الغول (العدوان) فإن الشاعر لا يتجاوز في كرهه فما ينشده هو الحق وما يهمه هو الإنسان ففى نهاية القصيدة يخاطب الغول بعد مقتله ويقول:
(أيها الغول لم تعد غولاً
فما في الموت إنسان وغول)
حتى الغول يمكن ان يدخل في رحمة الشاعر ولكن متى؟!! فقط عندما يقام العدل.

فى سنة 1959 سافر الشاعر في بعثة الجمهورية المتحدة إلى الإتحاد السوفييتي وهناك أفصح عن إنتمائه الشيوعي فأثار ريبة الشيوعيين من ناحية وحفيظة زملائه في البعثة من ناحية آخرى وبعد أن ألقى خطبة نارية ضد النظام القامع في مصر أنتهى به الأمر إلى إلغاء بعثته وسحب جواز سفره المصري وعانى من ظلم النفي والملاحقة ولكنه لم يكفر بقضيته حتى في ظل هذا الضياع.
وبالرغم من هذا الإنتماء الشيوعي لنجيب إلا أنك تستطيع أن تميز فكراً مختلفاً للشاعر فهذا الإنتماء لم يكن سوى دلالة على إتساع الرؤية وعولمة القضية أكثر وأكثر ولكن بقيت الغاية واحدة (إنسان حر وعالم عادل) فيغنى الشاعر للإنسان في مصر والصين وبغداد والجزائر وكوبا وكل بقاع الأرض (أنت أخي في الإنسانية وأنا أحبك) ويجابه الظلم في كل هذه البقاع أيضاً.
ويثبت نجيب أنه لا يؤخذ بسحر الأفكار فقط وأنه لا يسبح بحمد الأيدولوجيات وأنه مخلص لقضيته فقط فيكفر بالشيوعية والإنسانية الإشتراكية بعدما يكتشف أنه قد تم السطو على هذه الأفكارمثلها مثل كل الأفكار الجميلة وأنها الآن لا تعدو إلا أن تكون أداة في أيدى لصوص آخرين يبررون بها سرقاتهم ويضع بقصيدته المسيح واللصوص نهاية لهذا الإنتماء والتى يقول في نهايتها مخاطباً المسيح:
بل أنت حتى أنت لص،
لو لم تكن ما كان في الأرض اللصوص
حتى أنا لص... ألم أخدع طويلاً باللصوص؟!!
وتزداد الرؤية تجرداً ورغم الإحباط يزداد الإيمان بالإنسان ولنقرأ هنا ما أعتبره خلاصة القول والشاعر يتقمص هنا شخصية أوديب:
- ياأيها الغريب! إنى هنا من ألف قرن
معى سؤال لم يقل جوابه أحد
قتلت ألف ألف.. بلعت ألف ألف
فهل تجيب يا غريب أو تموت؟
- شفاعة يا غولة الدهور
- إنى تعبت والسؤال قد تعب
- ضراعة يا غولة الدهور
- أموت لو تجيبُ... فلتمت إن لم تجب

وألقت سؤالها يطق من عيونها الشرر
- ما أعظم الأشياء؟ ما أجمل الأشياء؟ ما أخلد الأشياء؟
وحين أجبت إنه الإنسان
رأيت غولة الدهور تنتحر!



مالذي يلزم كي يقتل شاعر إن تأبى فأبى أن ينتحر؟
الذي يلزم أن يحيا محاصر وأخنقوا البركان حتى ينفجر!

عاد نجيب سرور إلى مصر بعد ست سنوات قضاها بعيداً عن الوطن ما بين موسكو وبودابست عانى فيها الشاعر مرارة الحرمان والبعد عن الوطن إلى أن سمح له بدخول مصر وإسترداد جوازسفره وجنسيته ولكن لم يسمح لزوجته الروسية ولا لابنه بالدخول، وكان أن سطع نجم نجيب سرور فور عودته ولمع اسمه مخرجاً ومؤلفاً وممثلاً وشاعراً وأستاذاً في المعهد العالى للفنون المسرحية مشهوداً له بالكفاءة ولكن سرعان ما نشط الآخر (النظام السياسي) في ملاحقته من جديد فالشاعر مازال على قوته في محاربة القهر والإستبداد ومازال على وفائه لقضيته بالرغم من كل معاناته. لن تستطيع شراءه إذن فليكن التجويع والتشريد والإغتيال، أما التجويع فجاء بفصله من عمله كأستاذ للمسرح والتضييق عليه حتى في عمله كمخرج أو مؤلف حتى أنه كانت تمر عليه أيام كثيرة لا يملك حتى ثمن طعامه، وأما الاغتيال المعنوى فكان باللإقدام على تدميره نفسياً بإيداعه قسراً مستشفى الأمراض العقلية فبهذه الفكرة الشيطانية تستطيع ضرب عصفورين بحجر فمن ناحية ستقضى على خصمك نفسياً (معاشرة العاقل للمجانين تصيبه حتماً بالجنون) ومن ناحية آخرى ستغتال صورته في أعين مريديه فلو كنت أودعته السجن لصار بطلاً ولزاد التفاف المؤيدين حوله ولكنك تستطيع أن تقول الآن أنه مجرد مجنون!!!! (مجاذيب وفيها نجيب؟!!!!!)
وفى مستشفى الأمراض العقلية عانى من التعذيب البدني أيضاً ما أدّى الى تدهور حالته الصحية حيث عانى من أمراض الكبد والسكر وإرتفاع ضغط الدم بل وانحدر تدريجياً إلى العمى! وفيها وضع ديوانه (ال.. أميات) الذي يعد كما أشرنا أكثر ما يشتهر به الشاعر و إن كان الأقل فنياً، ولكن الوضع الذى كتب فيه يجعله أشبه بصرخة يائسة من روح تنوءُ تحت وطأة الظلم. وهنا أمثلة لبعض ما جاء في الديوان (ال.. أميات)،


صبرت صبر الإبل ودونى ع اللومان
وقالوا خانكة وخانكة يعنى فين يوجع
يعني عدوك بقى ع الضرب في المليان
عامللي يابن الفطس بين العلوق مجدع


أشنق وديتها حقنة قبل وقف النبض
يصحى وتاني أشنقه وبحقنه تانى يفوق


تسرق شلن تبقى هيصة وبلوة وجريمة
تسرق ألوف الألوف تبقى من الأبطال
وكل ما السرقة تكبر القانون سيمة
وكل ما السرقة تصغر فيها حرام وحلال


ما عدش غير دمي يلا سيحوا دمي
أنا صليبي تعب يا مصر من كتفي
أنا أبويا اتقتل يا مصر بعد أمي
وأنا كمان هاتقتل ولاّ هاموت منفي

أنا عارف أنى هموت في عمر الورد
وساعتها هيقولو لا قبله ولا بعده
وبطانة بتقول ياعيني مات في عمر الورد
وعصابة بتقول خلصنا منه مين بعده؟

وعاش فقيدنا العزيز ولا كلب في الصحرا
ومات فقيدنا العزيز ولا حتى موتة كلب
غلطان؟ يجوز! بس كان غيره من الشعرا
تافهين تفاهة وعاشوا..... حكمتك يارب!!
شوف الدولة الشماعة فاتحة للموت دكاكين
مليانة معتقلين بتسميهم مجانين
شوف العلما المساجين وعباقرة ومدفونين والشعرا المدبوحين
وألوف الفنانين وولادنا المخطوفين في السجن بنات وبنين.

احذروا أن تكفروا بالكلمات
تلك كانت وصية نجيب وله هذا فلن نكفر بالكلمات وسنترك الشاعر هنا يطالعنا من خلال شعره الرافض للقهر والظلم العاشق للحق والخير والعدل والجمال،

قل ما تريد لمن تريد كما تريد متى تريد
لو بعدها الطوفان قلها في الوجوه بلا وجل:
الملك عريان.... ومن يفتى بما ليس الحقيقة..
فليلقني خلف الجبل!

كيخوت من في الناس نحن أأنبياء؟ أم أغبياء؟ أم أن سر عذابنا داء عياء، داء يسمى الكبرياء

والذى يفلت منا بعد سجن بعد شنق سيرمى بالجنون
ما الذى أجداه يا جبناء جبن هل أنا ما زلت حياً هل أخون؟

ها أنا أقتات حتى بلعابي
بينما شعري على كل لسان
يا زماني لو سدىً كان عذابي
فليكن موتي عقاباً للزمان

قلتم لي: والأسد الميت خير منه الكلب الحي
بل أنتم موتى ليس بحي من يختار حياة الكلب

قلتم: در شهراً أو دهراً
وحذار أن تعبر نهراً
فعبرت بحاراً وبحاراً
هوجاء بلا طوق نجاة
أيقنت بأن الجبن الموت
وأن صراع الموت حياة

يا بنى مصر التحيات لكم يا بنينا وعليكم وعلى مصر السلام
نحن موتاكم وللموتى كلام
أقسموا ان تذكروه وأسألوا ابناءكم أن يذكروه
وانقشوه في ضمير الدهر من جيل لجيل
واحذروا النسيان فالنسيان موت
كل ما يذكر يحيا كل ما ينسى يموت


فاحذروا ان تكفروا بالكلمات
لحنوها اغنيات
فجروها في بلادى معجزات
اصنعوا منها وروداً وسموماً ونجوماً ورجوماً ومشاعلْ ومعاولْ
واحذروا اليأس فكم من يائس ولّى ودون النصر خطوة.

قد آن يا كيخوت للقلب الجريح أن يستريح
فأحفر هنا قبراً ونم
أنقش على الصخر الأصم
يا نابشاً قبرى حنانك ها هنا قلب ينام
لافرق من عام ينام وألف عام
هذى العظام حصاد أيامى فرفقاً بالعظام
أنا لست أحسب بين فرسان الزمان
إن عد فرسان الزمان
لكن قلبى كان دوماً قلب فارس
كره المنافق والجبان مقدار ما عشق الحقيقة.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mazroo.ba7r.org
 
قضية القهر في شعر نجيب سرور (الجزء الاول )
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى التربية المسرحية :: قــســم الـشــــــعــــر-
انتقل الى: